قصة سيدنا موسى عليه السلام

ن قصة سيدنا موسى عليه السلام من أكثر القصص ذكرا في القرآن الكريم، لقد ذكرت في أكثر من ثلاثين سورة، وجاء ذكر سيدنا “موسى” عليه السلام أكثر من مائة مرة، وذلك لما

عندما حملت أم موسى به عليه السلام خشيت عليه من بطش فرعون ورجاله فأخفت عن الجميع حملها، فقد كان حينها فرعون يذبح أبنائهم في ذلك الوقت، وعندما وضعته أوحى الله سبحانه وتعالى إليها أن تضعه في التابوت وتلقيه في اليم.

وبالفعل قامت بفعل ذلك، فطاف التابوت في اليم حتى وصل لقصر فرعون فالتقطته زوجة فرعون وما إن رأته حتى أحبته حبا شديدا، فأدخلته البلاط الفرعوني وطلبت من فرعون نفسه أن تتخذه ولدا، واستطاعت أن تقنعه وأسموه “موسى”، وموسى في اللغة تعني المنتشل من المياه.

وكانت والدته قد طلبت من أخته أن تتقصى مكانه بعدما ألقته في اليم وتعرف أين سيكون؛ وسبحان الله من جعله يرفض كل المرضعات اللاتي أحضرتهن له زوجة فرعون، وكانت حينها أخته فأشارت عليهم بأن تحضر لهم مرضعة وأحضرت له والدتها ووالدته، فرد الله سبحانه وتعالى إليها وليدها.

موسى يقتل رجلا من ملأ فرعون

في يوم من الأيام بينما كان يمر “موسى” في إحدى طرقات المدينة، وكان ذلك الوقت قد انفضت فيه الطرقات من الأناس أجمعين (وربما كان هذا الوقت حينها ليلا)، وجد حينها أن هناك رجلين يقتتلان فيما بينهما، وكان أحدهما من أبناء قومه إسرائيلي والآخر مصري.

وكانت قصتهما أن المصري الفرعوني أراد أن يسخر الإسرائيلي في عمل، ولكن الإسرائيلي أبى عليه ذلك، وعندما رأى الإسرائيلي “موسى” أمامه وقت الاقتتال استغاث به واستنجد؛ فجاءه “موسى” عليه السلام فوكز الفرعوني وكزة جعلته قتيلا بين يديه.

لم يكن عليه السلام يريد قتله، ولما رآه قتيلا قال: (قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ).

وأصبح سيدنا “موسى” عليه السلام خائفا في المدينة يترقب ما الذي سيحدث معه، كان يمر في الطرقات على حذر شديد، وبينما كان يمر في إحدى الطرقات مترقبا إذا بالذي استنصره بالأمس يستصرخه مجددا، جاءه سيدنا “موسى” وقال له: (إنك رجل صاحب فتن وذا مخاصمات)، وعلى الرغم من معرفته بالرجل إلا إنه عليه السلام أخذه حماس الانتصار للإسرائيلي ابن قومه، ولما أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما ظن الإسرائيلي أن “موسى” عليه السلام يريد أن يبطش به، فقال الإسرائيلي لسيدنا موسى عليه السلام: (يَا مُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ ۖ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ).

ومن هنا عرف الناس أن “موسى” هو من قام بقتل الإسرائيلي بالأمس، وذاع الخبر فيما بينهم حتى وصل قصر فرعون، فتذاكر آل فرعون في أمر موسى وأصروا على القصاص منه؛ وجاء رجل إلى “موسى” عليه السلام وحذره من أن القوم يتآمرون عليه لقتله، أخبره بأن عليه الهرب من المدينة.

وعندما سمع “موسى” عليه السلام ذلك الأمر من الرجل ارتعب وقرر أن يأخذ بنصيحته ويهرب من المدينة حيث أن الأمر قد انتشر بين الناس ووصل لفرعون، فغادر سيدنا “موسى” عليه السلام البلاد وكانت وجهته بلاد الشام تلقاء أرض مدين؛ وكان عليه السلام بلا زاد ولا ماء.

وبأرض مدين وجد سلالة من الأسرة الإبراهيمية، وكانت أحد أعمام بني إسرائيل، وربما قصدها عليه السلام متعمدا لمعرفته بصلة القرابة مع أهلها مسبقا.

لقاء سيدنا موسى عليه السلام المبارك

وبعد رحلة طويلة وصل سيدنا “موسى” عليه السلام إلى أرض مدين، لاحظ عليه السلام فتاتين تنتظران الرجال حتى يفرغوا من ملء المياه، فأخذته الغيرة عليهما فذهب إليهما ليسألهما عن أمرهما، فاعتذرتا عن عملهما في السقي دون الرجال من أهلهما، وأوضحتا الأسباب التي دفعتهما لهذا العمل حيث أن أبوهما شيخ كبير ولا يقوى على عمل السقي.

فسقى لهما سيدنا “موسى” عليه السلام وتولى عنهما إلى ظل، وحمد الله على النعم التي وهبه إياها سبحانه وتعالى؛ ولما عادتا الفتاتان إلى أبيهما باكرا على غير عادتهما، تعجب منهما والدهما الشيخ الكبير فقصتا عليه قصة الرجل الغريب الذي سقى لهما، فأمر أبوهما إحدى ابنتيه أن تعود إليه وتبلغه دعوته ليجزيه أجر ما سقى لهما.

فجاءته الفتاة التي بعثها والدها إليه تمشي على استحياء، وأخبرته بأن والدها يدعوه إليه ليجزيه أجر السقي؛ ولبى سيدنا “موسى” عليه السلام الدعوة، وذهب مع ابنة الشيخ الكبير، وقد قيل أن نبي الله “موسى” عليه السلام قد طلب منها أن تسير خلفه وتدله على الطريق، وذلك عفة منه عليه السلام لكيلا يقع بصره على حركات جسدها.

ولما وصلا للشيخ الكبير دخل عليه “موسى” عليه السلام فرحب به الشيخ، وسأله عن أمره فقص عليه السلام القصص مع آل فرعون وسرد عليه حاله وحال بني إسرائيل بمصر، فطمأنه الشيخ وقال له: (لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).

وقد قيل أن هذا الشيخ الكبير إنما هو نبي الله “شعيب” عليه السلام الذي بعث إلى أهل مدين، وهذا معروف عند جمهور كثير من العلماء؛ وقيل أيضا أنه رجل مؤمن من قوم شعيب، وقد أرجعوا ذلك لبعد المسافة الزمنية بين نبي الله “شعيب” عليه السلام ونبي الله “موسى” عليه السلام.

وقالت إحدى ابنتي الشيخ: (يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ)، أعجب والدها كثيرا بسدادة رأيها، وعلى الفور عرض على “موسى” الزواج من إحدى ابنتيه اللتين قد سقى لهما والمقابل أن يكون مهر ابنته أن يخدمه ثماني سنوات، وإن زادها عشرا فمن جوده ولكنه لم يفرض عليه ذلك؛ فوافق نبي الله “موسى” عليه السلام على عرض الشيخ وتمت المصاهرة بينهما.

ولبث نبي الله “موسى” عليه السلام في أرض مدين يخدم الشيخ الكبير على حسب اتفاقهما يخدمه، وقد أتم نبي الله “موسى” عليه السلام أوفى الأجلين وهو عشر سنوات.

الحنين والعودة لمصر

وعندما أتم “موسى” عليه السلام أوفى الأجلين شعر بالحنين للعودة لمصر، وعزم عليه السلام على المسير إليها واستعد لذلك الأمر، وعندما حان وقت الفراق طلب من زوجته أن تسأل أباها أن يعطيهما من غنمه ما يستطيعون العيش به؛ فأعطاها أباها ما ولدت غنمه في ذلك العام من قال لون (وقالب لون وهو ما على غير لون أمها)؛ فما مرت شاة إلا وقد ضرب سيدنا “موسى” عليه السلام بعصاه جنبها فولدت قوالب ألوان كلها، كما وأن كل شاة ولدت اثنتين أو ثلاثا، ليس بها أي فشوش ولا ضبوب ولا كميشة تفوت الكف ولا ثغول.

وسار سيدنا “موسى” عليه السلام بأهله بفصل الشتاء من أرض مدين، واستاق أمامه عليه السلام أغنامه ولما بلغ قرب جبل الطور ضل طريقه، وكانت ليلة شديدة البرودة، كان عليه السلام يريد أن يوري ناراً.

الوادي المقدس طوى وبعثة موسى عليه السلام

وما إن وطئت قدمي “موسى” عليه السلام منطقة الطور رأى ناراً، فقال لأهله: (امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى)، ولما أتى عليه السلام النار عند الشجرة المباركة سمع عليه السلام نداءً: (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى، وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ، إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي، إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ، فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَىٰ).

فأوحى الله سبحانه وتعالى لنبيه “موسى” عليه السلام ما أوحى، وكان تكليفه بالرسالة إلى فرعون وقومه، كما أعطى الله سبحانه وتعالى نبيه الآيات.

طلب سيدنا “موسى” عليه السلام من ربه أن يرسل معه أخاه “هارون”، فأراد “موسى” أن يكون أخيه له ردءاً، كما وأثنى على أخيه هارون بين يدي ربه بأنه أفصح منه لساناً؛ فأجابه ربه سبحانه وتعالى: (قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ۚ بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ).

الآيات القرآنية التي ذكر فيها سيدنا “موسى” عليه السلام

إن قصة سيدنا “موسى” عليه السلام هي من أكثر قصص الأنبياء ذكراً في القرآن الكريم، فقد ذكرت قصة سيدنا “موسى” عليه السلام في ثلاثة وثلاثين سورة…

من السور التي ذكرت فيها قصة سيدنا “موسى” عليه السلام: سورة البقرة، سورة المائدة، سورة الأعراف، سورة يونس، سورة هود، سورة طه، سورة المؤمنون، سورة الشعراء، سورة النمل، سورة القصص، سورة الزخرف، سورة إبراهيم، سورة الإسراء، سورة الدخان، سورة النازعات.

وقد ورد ذكر نبي الله “موسى” عليه السلام في القرآن الكريم مائة وواحد وثلاثين مرة، ومن الآيات القرآنية الكريمة التي ذكر فيها سيدنا “موسى” عليه السلام…

قال تعالى في سورة البقرة (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ، ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ).

وقال تعالى في سورة النساء (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ ۚ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ۚ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَٰلِكَ ۚ وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَانًا مُّبِينًا).

وقال تعالى في سورة الأنعام (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ، وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)

وقال تعالى في كتابه العزيز في سورة هود (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ).


Salma

50 Blog posts

Comments